موفق عميرة
كعادتهما كل يوم ، غادر( احمد مصطفى عبد الرحيم)
الملقب بالبدوي وصديقه (مصطفى احمد حسان) بيتهما ، عندما بدأت الشمس تلتقط انفاسها
الاخيرة بالغروب ، وتوجها لحراسه حقول الزيتون في اراضي قريه قبيا الواقعه غرب
مدينه رام الله ، كان ذلك في مساء يوم الجمعه من شهر تشرين الاول عام 1953م . وما
ان وصلوا هناك كانت الساعه حوالي السابعة مساءً .
البدوي وصديقه يفترقان
وبعد وصولهم حقول الزيتون ،نظر احدهم فجأة للخلف فشاهدوا أسراب لكنها لم تكن من أسراب
الطيور التي يسر لها القلب بل كانت أسراب من قوات الهاجانا الاسرائيلي يركبون
الخيول السوداء مدججين بالسلاح والذخيرة والالغام متجهين نحو القريه من مسارين ، الشمالي
الذي يدعى( بالمسكوبة )والغربي الذي يدعى( بالسوق ).
وبعد برهة قاموا بإغلاق جميع مداخل القريه ولم يستطيع
البدوي وصديقه الهروب من قوات الهاجانا القادمة من طريق المسكوبه الوعره ، وفي هذا
الوقت أمر ارئيل شارون احد جنوده بان يلقي القبض عليهم ويلقيهم ارضا ، وطلب منهم
ان لا يتحركوا وبعد فترة قصيرة قام الجندي نفسه بلف الكوفيه الفلسطينية المرقطة باللون
الأسود التي كان يلبسها البدوي على عنق صديقه (مصطفى احمد حسان ) وبقي الجندي يشد
على عنقه وهو يصرخ ويتألم ....يصرخ ويتألم حتى فارق الحياه تحت الشجرة الخضراء
القريبه من وادي قببا.
وبعد اقل من عشر دقائق قام جندي اخر بتكبيل يديّ
البدوي للخلف بكوفيته التي خنق بها صديقه وقاموا بضربه ضربا مبرحا حتى اظهر انه
مغمى عليه ...... وفجأة هرب البدوي إلى منطقة الوادي وبعدها سمعت قوات الهاجانا
صوتًه يتحرك في الوادي واطلقت عليه سبعه
رصاصات بحيث كانت يده اليمنى هي الوحيدة التي تعرضت لثلاث رصاصات من كامل جسده
الذي بقي سليما، ولكنه تمكن من الهروب والاختباء في جذع شجرة بلوط وكان الدم يسيل
من يده حتى أصبح لون ملابسه احمرا . بعد ان غادرت قوات الهاجانا السرائيلي حقول الزيتون واتجهوا الي مشارف
القريه ، وفي تلك اللحظة استطاع أن يهرب إلى قرية شقبا التي تقع بجانب قريته ،وقال
البدوي :( مع العلم باني الشخص الوحيد الذي أصبت بالمجزرة وبقيت على قيد الحياة لهذه اللحظة ).
الضوء يطفئ . والبيوت تنسف
اقتحمت قوات الهاجانا الاسرائيليه الشرسة المدججة
بالسلاح والذخيرة القرية في منتصف الليل الأسود وكانت الحملة بقياده ارئيل شارون الذي كان يشغل منصب وزير
الدفاع الاسرائيلي سابقا . وصلت القوات إلى
مشارف القرية حوالي الساعة الثامنة والنصف مساءً ،
وإثناء المجزرة قال ابراهيم غيظان بانه شاهد بعض
(الجيوب) فئات مقاتلة من أبناء القرية وهم صالح محمد صالح، واحمد يوسف العبسي
وكانوا فوق بيت قديم لعائلة ذيب عبد الرحيم والذي كان أعلى بيت في القرية ذلك
الوقت ، وكان كل منهما يحمل سلاح انجليزي من نوع صواري وصرّة فيها سبع رصاصات . وقام
كل منهم بإطلاق النار بشكل عشوائي لتخويف الجنود ولكنهم لم يأبهوا ولم يتأثروا. بل
على العكس تقدمت قوات الهاجانا وهم راكبو
الخيول السوداء ، وبلمح البصر استطاعوا الهجوم على القرية وفي تلك اللحظات تمكن العبسي وصديقه من الهرب
والاختباء في بيت قديم مجاور للمسجد ولم يصب احدهم بأذى .
بدأ الظلام يحل وبدأت الأضواء تخفت ضوءً بعد ضوءً في
كل بيت وكانت هذه البيوت شبه مهجورة بالسكان ، ولكن أمر ارئيل شارون قواته بوضع
الألغام في كل بيت يسمع فيه صوتا أو يوجد فيه ضوءً و لم يتوقف الأمر على ذلك بل
كانوا يطلقون النار بشكل عشوائي على الأهالي عندما كانوا يتنقلون بين أزقه البيوت
الضيقة من بيت إلى أخر للاختباء بسبب هدم
بيوتهم .
حيث شاهد إبراهيم غيطان بعض المشاهد المؤلمة عندما كان
مختبأ مع 24 شخصا من إفراد عائلته في بيت جارة أبو إسماعيل وكان معهم احد الضيوف
واسمه حسن غاليه كان لاجئ فلسطيني من دير طريف جاء لزيارة بين أبو إبراهيم ،
وبعدها بدأت العماليات العسكرية الاسرائيليه على أهالي القرية الذي لم يتجاوز
عددهم 1000 شخص ، وفي منتصف الليل شاهد ابراهيم غيظان جنديان وجوههم سوداء يزرعون
القنابل في جدران بيته وبعد دقائق معدوده سمع انفجارا كبيرا هزّ البيت الذي كان
مختبأً به هو وابناء عائلته ، ونظر مرة اخرى من الشباك وشاهد حجارة بيته متناثرة
ومتبعثرة تبعد اكثر من اربعه امتار عن
مكان بيته .
وقال ابراهيم غيظان ايضا بانه هدم تقريبا خمسين بيتً
في القريه وشاهد حجارة البيوت فوق اصحابها . وقاموا ايضا بهدم المدرسه الاساسيه في
القريه بشكل كامل ليعيقوا عمليه التعليم ولكن انتقل الطلاب بعد المجزرة للدراسه في
المسجد .
أم تفقد ابنائها السته
انسحبت قوات الهاجانا الإسرائيلي من القريه حوالي
الساعه الرابعة فجراً، حيث قال إبراهيم غيطان
بأنه شاهد جثث الشهداء بين الطرقات الضيقه وبين ركام البيوت المهدوم ، وصل
عدد الشهداء تقريبا 69 شهيدا بينهم الرجال والأطفال والنساء ، وكانوا لا يميزوا
بين انسان وحيوان وكانوا يطلقوا وابل من الرصاص على كل شيء يتحرق في طريقهم .
وبعد انتهاء المعركة بأكثر من شهريين جاء رجل الى القرية
يسأل عن ابنه كان مفقودا وذهب غيظان مع الضيف الى المقابر الجماعية ووجد الضيف
ابنه هناك مستشهدا أثناء المجزرة فبدا يصرخ ويصيح الله اكبر الله اكبر.
وهناك العديد من العائلات المنكوبة التي استشهد افراد
العائله باكملها ومنهم عائلة حسين صالح استشهد سته من افراد العائله ، وعائله احمد
عبد المجيد استشهد كل افراد العائله وكان عددهم ثمانية أشخاص ....
وقال ايضا
بانه من أكثر المشاهد ايلاما وتاثيرا منظر امراه كبيره في السن تجاوزت الخمسينيات من
عمرها كانت جالسه فوق كومه من الانقاض وقد ارسلت نظرة الى السماء من دون قصد ، ومن
ثم القت نظرة اخرى الى ركام بيتها فشاهدت
ايدي وارجل صغيرة وهي اشلاء ابنائها السته بينما كانت جثة زوجها ملقاه على الطريق
المواجه لها .. ولم يقف الاعتداء على اهالي القريه فحسب بل تعدى الامر على الضيوف
ايضا ، واستشهد موسى ابو زيد هو وجميع افراد عائلته وعددهم سبعه الذي وكان من
العباسيه يعمل مدرسا في القريه
لماذا المتسللون ؟
حيث ادعى الإسرائيليون بان هناك اسباباً جعلتهم
يقتحمون القريه ويقتلون ابنائها ويهدمون بيوتها وهو دخول عدد كبير من الاجئين
الفلسطينيين الذين رحلوا عن بيوتهم وارضهم المصادره عام 1948م ، وذلك ليجلبوا
اغراضهم واموالهم من بيوتهم المصادرة في الداخل
وتعد قرية قببا احد أهم الطرق التي كانوا يتنقلوا خلالها لأنها قريبه من
أراضيهم وبيوتهم وكانوا يأخذوا نفس من الراحة وتناول الطعام والشراب وبعدها
يستمروا في رحلتهم من حيث ما قدموا ولكن
أطلق عليهم اليهود اسم المتسللون .
وقرر ارئيل شارون باقتحام القريه وقتل اكبر قدر ممكن
من سكانها للتقليل من الهجمات التي كانت تحصل في الداخل من جهه ، ولتقليل تدفق
المتسولون .
حيث ادانه اللجنه الاردنيه الاسرائيليه العمليه وزار
رئيس هيئه الاركان الاردنيه كلوب باشا القريه وكان يعمل بالوصايه مع الحكومه
البريطانيه وجاء ليطمئن على اوضاع القريه ،
وتزامن حضور كلوب باشا مع موشي ديان مسؤول عسكري كبير
حيث قام ديان بانتحال شخصيه صحفي وكان يلبس لباس الصحافه وقبعه الصحافه ومعه
كاميرا كان يصور الناس وقد جاء للقرية بمهمة عسكريه ليتفحص أوضاع الناس بعد
العملية .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق